حبيب الله الهاشمي الخوئي
125
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
يغضى حياء ويغضى من مهابته فما يكلَّم إلَّا حين يبتسم ( 13 ) في كفّه خيزران ريحه عبق * من كف أروع في عرنينه شمم ( 14 )
--> ( 14 ) خيزران بفتح أوله وضم ثالثه قال في الصحاح : اسم شجر وهو عروق القناة والجمع الخيازر والخيزران القصب . قال المرزوقي في شرح الحماسة : يعنى به المخصرة . . . يمسكها الملوك بأيديهم يتعبثون بها . في البحار : نقل كلام يناسب المقام فيه غرابة ، قال الزمخشري في الفائق : علي بن الحسين ( ع ) مدحه الفرزدق فقال : ) * في كفه جهنى ريحه عبق ، من كف أروع في عرنينه شمم . قال القتيبي : الجهني : الخيزران ومعرفتى هذه الكلمة عجيبة وذلك أن رجلا من أصحاب الغريب سألني عنه فلم أعرفه فلما أخذت من الليل مضجعى أتاني آت في المنام ألا أخبرته عن الجهني قلت : لم أعرفه قال : هو الخيزران فسألته شاهدا فقال : هدية طريفة في طبق مجنة فهببت وأنا أكثر التعجب فلم ألبث إلَّا يسيرا حتى سمعت من ينشد : في كفه جهنى ، وكنت أعرفه في كفه خيزران ، انتهى . قال المرزوقي : قوله « ريحه عبق » إذا فتح الباء فمخرجه مخرج المصادر كأنه نفس الشيء أو على حذف المضاف ، والأصل ذات عبق ، وإذا كسرت فهو اسم الفاعل ومعناه اللاصق بالشيء لا يفارقه . يريد ان رائحته تبقى فهي تشم الدهر من كف أروع ، وهو الجميل الوجه . ثم قال : والشمم : الطول . والعرنين : الأنف وما ارتفع من الأرض وأول الشيء وتجعل العرنين كناية عن الأشراف والسادة وإذا قرن الشمم بالعرنين أو الأنف فالقصد إلى الكرم . لذلك قال حسان بن ثابت : بيض الوجوه كريمة أحسابهم شم الأنوف من الطراز الأول انتهى ما قاله المرزوقي في شرح هذا البيت . أقول : جعل العرانين كناية عن الاشراف والسادة مما لا كلام فيه قال الشاعر : ان العرانين تلقاها محسدة ولا ترى للئام الناس حسادا ولكن الظاهر من قول الفرزدق « في عرنينه شمم » انه يصفه عليه السّلام بأنه جميل الوجه ، حسن المحيا ، صحيح الخلقة أشم الانف اى أقنى الانف ضيق المنخرين ليس بأفطس فان الفطسة عيب وعاهة والحجج الالهيّة سليمة عن العيوب والعاهات خلقا ودينا كما أشرنا اليه قبل . قال الجوهري : الفطس بالتحريك : تطامن قصبة الأنف وانتشارها والرجل أفطس والاسم الفطسة لأنه كالعاهة . والشمم ارتفاع قصبة الأنف مع حسنها واستواء أعلاها وانتصاب . . . الأرنبة أو ورود الأرنبة وحسن استواء القصبة وارتفاعها أو أن يطول الأنف ويدق وتسيل روثته فان ورود الأرنبة وشم العرنين دليل النجابة وهذا مراد من قال : العرب انما ينجح بالشمم نفيا عن انفهم الفطس الذي يكون في الزنج . وجاء في وصف شمائل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله كما في السيرة الحلبية ( ص 371 ج 3 طبع مصر ) رواية انه ( ص ) دقيق العرنين له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم وفسر الأشم في السيرة بقوله اى مرتفعا . وفي الكافي لثقة الاسلام الكليني باسناده عن جابر قال : قلت لأبي جعفر عليه السّلام : صف لي نبي اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ، قال عليه السّلام : كان نبي اللَّه ( ص ) ابيض مشرب بالحمرة - إلى أن قال - : يكاد أنفه إذا شرب أن يرد الماء ، الحديث وكنى باشراف أنفه ورود الماء عند شربه عن ستر رأسه المنخرين وميله إلى قدام ( كما في الوافي ص 160 ج 2 ) وعن عدم كونه كانف الزنج . وفي البحار للمجلسي رحمه اللَّه ( ص 107 ج 11 الكمپانى ) نقلا عن مناقب ابن شهرآشوب في شمائل جعفر بن محمد الصادق عليهما السّلام : كان الصادق عليه السّلام ربع القامة أزهر الوجه حالك الشعر جعدا أشم الأنف . وفي كتاب سرّ الأدب في مجارى كلام العرب المعروف بفقه اللغة تأليف أبى منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي النيسابوري في الفصل السابع عشر في أوصاف الأنوف المحمودة والمذمومة : الشمم : ارتفاع قصبة الأنف مع استواء أعلاها . القنا : طول الأنف ودقة ارنبته وحدب في وسطه . الفطس : تطامن قصبته مع ضخم ارنبته . إلى آخر ما قال . وأما ما استشهد به المرزوقي من بيت الحسان فهو ما جوزه الشريف علم الهدى في أماليه ( في باب المعمرين في ترجمة ذي الإصبع العدواني ) بعد ما احتمل ذلك المعنى الذي اخترناه . على أن الشم في بيت الحسان جمع أشم والأشم كما في المعاجم : السيد ذو الانفة ، ولأحد أن يدعى ان الشم إذا قرن بالأنف فالقصد إلى الكرم لا الشمم بالعرنين وذلك لان الانف نسب اليه الحمية والغضب والعزة والذلة حتى قال الشاعر كما في مفردات الراغب : إذا غضبت تلك الأنوف لم أرضها ولم اطلب العتبى ولكن أزيدها ولذا قيل شمخ فلان بأنفه للمتكبر ، وترب أنفه للذليل ، وأنف فلان من كذا بمعنى استنكف حتى قيل الانفة الحمية ولم ينقلوا للعرنين هذه المعاني مع أن مادته لا يحتملها فتأمل .